ميسي وكأس العالم.. حكاية أسطورة لا تعرف النهاية
لم يكن النجم الأرجنتيني المخضرم ليونيل ميسي بحاجة إلى كأس العالم 2026 لإثبات مكانته بين عظماء كرة القدم، لكن ما يقدمه في البطولة الحالية عزز بصورة غير مسبوقة مكانته باعتباره أحد أعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة، وربما الأفضل على الإطلاق. قبل أربعة أعوام، وتحديدًا عقب تأهل الأرجنتين إلى نهائي مونديال قطر 2022 بالفوز على كرواتيا بثلاثية نظيفة، أعلن ميسي أن تلك ستكون محطته الأخيرة في كأس العالم، مؤكدًا سعادته بإنهاء مسيرته المونديالية بخوض المباراة النهائية. إلا أن القدر كتب فصلًا جديدًا في مسيرة النجم الأرجنتيني، الذي يعود وهو في التاسعة والثلاثين من عمره ليقود منتخب بلاده مجددًا إلى نهائي كأس العالم. وبات ميسي، بعمر 39 عامًا و25 يومًا، أكبر لاعب ميداني يخوض نهائيًا في تاريخ كأس العالم، بينما يبقى الإيطالي دينو زوف، الذي توج مع منتخب بلاده عام 1982 وهو في الأربعين من عمره، الأكبر سنًا بين جميع اللاعبين الذين شاركوا في النهائي. وتشير الأرقام إلى أن قائد الأرجنتين يمتلك فرصة حقيقية لتحطيم رقم السويدي نيلس ليدهولم كأكبر هداف في تاريخ نهائيات كأس العالم، إذا نجح في التسجيل خلال المباراة النهائية، بعد المستويات الاستثنائية التي قدمها طوال البطولة. كما سيخوض ميسي مباراته رقم 34 في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، موسعًا الفارق إلى سبع مباريات عن أقرب ملاحقيه البرتغالي كريستيانو رونالدو، في فصل جديد من المقارنة التاريخية بين النجمين اللذين هيمنا على كرة القدم العالمية لأكثر من 15 عامًا. ولم يقتصر تفوق ميسي على الأرقام التاريخية، بل امتد إلى تأثيره المباشر في نتائج منتخب الأرجنتين، إذ أسهم في 12 هدفًا من أصل 19 سجلها منتخب بلاده في البطولة، بعدما أحرز ثمانية أهداف وصنع أربعة أخرى، أي ما يعادل 63% من إجمالي أهداف المنتخب، فضلًا عن تمريرته التي تسببت في الهدف العكسي الذي منح الأرجنتين الفوز أمام الرأس الأخضر في دور الـ32. ويواصل ميسي تقديم مستويات استثنائية على صعيد صناعة الفرص أيضًا، بعدما شارك بصورة مباشرة في 59 فرصة هجومية بين تسديدة وصناعة أهداف، متفوقًا بفارق كبير على جميع زملائه، في تأكيد جديد على أنه ما زال المحرك الأول للهجوم الأرجنتيني. وتبرز أهمية ميسي بصورة أكبر إذا تمت مقارنته بما قدمه مع المنتخب في النسخ السابقة، إذ شارك خلال آخر نسختين فقط في 22 هدفًا بين تسجيل وصناعة، بعدما أحرز 15 هدفًا وصنع سبعة، وهو الرقم الأعلى بين جميع لاعبي العالم خلال تلك الفترة. أما في الأدوار الإقصائية، فقد شهدت مسيرته تحولًا لافتًا؛ فبعد سنوات طويلة عانى خلالها من غياب الأهداف في مباريات خروج المغلوب، أصبح خلال نسختي 2022 و2026 أكثر اللاعبين تأثيرًا، بعدما سجل سبعة أهداف وصنع ستة أخرى في ثماني مباريات فقط. وفي نصف النهائي الأخير، لعب ميسي دور البطولة في عودة الأرجنتين أمام إنجلترا، حيث صنع هدف التعادل بعد تنفيذ ركلة ركنية سريعة استغلها إنزو فرنانديز، قبل أن يرسل عرضية متقنة بقدمه اليمنى إلى لاوتارو مارتينيز سجل منها هدف الفوز، في لقطة جسدت قدرته على صناعة الفارق حتى في أصعب اللحظات. ولم تعد خطورة ميسي مرتبطة فقط بالمراوغات أو السرعة كما كان الحال في سنوات شبابه، بل تطورت إلى قراءة استثنائية للمباراة وتحركات ذكية تمنحه أفضلية مستمرة على المنافسين. إذ أصبح يميل خلال الشوط الثاني إلى التحرك نحو الجهة اليمنى، مستغلًا المساحات التي يتركها المنافسون، وهو ما منحه تأثيرًا هجوميًا أكبر في المباريات الأخيرة. وتؤكد خرائط اللمس والإحصاءات أن ميسي يضاعف حضوره في النصف الثاني من اللقاءات، حيث يرتفع معدل لمساته بصورة كبيرة مقارنة بالشوط الأول، مع استمرار تفوقه في منطقة صناعة اللعب أمام منطقة الجزاء، والتي تعد المساحة المفضلة للنجم الأرجنتيني منذ سنوات طويلة. ويأتي هذا التألق امتدادًا لمرحلة ذهبية عاشها ميسي مع منتخب الأرجنتين منذ عام 2021، عندما قاد منتخب بلاده للتتويج بلقب كوبا أمريكا لأول مرة في مسيرته، قبل أن يحقق كأس العالم 2022، ثم لقب كوبا أمريكا 2024، ليصبح على أعتاب قيادة منتخب "التانجو" لتحقيق اللقب الكبير الرابع على التوالي في البطولات الدولية. ويحمل النهائي أيضًا رمزية خاصة بالنسبة لميسي، إذ سيختتم مسيرته في كأس العالم بمواجهة إسبانيا، الدولة التي شهدت أعظم سنواته الكروية بقميص برشلونة، حيث سجل 672 هدفًا خلال 778 مباراة، محققًا سلسلة من الإنجازات التاريخية التي جعلته أحد أبرز أساطير النادي والكرة الإسبانية. ورغم أن الفوز بلقب جديد لن يمكنه من معادلة الرقم التاريخي للأسطورة البرازيلية بيليه، المتوج بكأس العالم ثلاث مرات، فإنه سيضع ميسي ضمن قائمة محدودة للغاية من اللاعبين الذين نجحوا في الفوز بالمونديال مرتين.