صلاح في طرابزون.. صفقة تتجاوز حدود كرة القدم

اختار النجم المصري محمد صلاح أن تكون محطته الجديدة في الدوري التركي، بعدما أنهى رحلته الطويلة مع ليفربول الإنجليزي، في قرار فاجأ قطاعًا كبيرًا من الجماهير التي كانت تتوقع انتقاله إلى الدوري السعودي أو خوض تجربة جديدة خارج أوروبا. وانضم قائد منتخب مصر إلى طرابزون سبور بعقد يمتد لمدة عامين، في صفقة انتقال حر عقب نهاية مشواره مع ليفربول، الذي قضى بين صفوفه تسعة مواسم، وحقق خلال تلك الفترة العديد من الألقاب، من بينها الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، إلى جانب أرقام تهديفية بارزة جعلته أحد أهم اللاعبين في تاريخ النادي. وتكشف تفاصيل عقد صلاح مع طرابزون سبور عن القيمة الكبيرة التي رصدها النادي للحصول على خدماته، إذ يحصل اللاعب على 17 مليون يورو في الموسم الواحد، إلى جانب نسبة من عائدات المنتجات التي تحمل اسمه، فضلًا عن حوافز مرتبطة بالأداء. ارتبط اسم صلاح طوال الأشهر الماضية بالانتقال إلى الدوري السعودي، خصوصًا بعد الرحيل المرتقب عن ليفربول، في ظل الاهتمام السابق من أندية المملكة بالحصول على خدماته. وكانت محاولات نادي الاتحاد لضم اللاعب قد ظهرت إلى الواجهة في وقت سابق، إلا أن الصفقة لم تكتمل، قبل أن تتجدد التكهنات بشأن إمكانية انتقاله إلى السعودية هذا الصيف. لكن الاتجاه تغير في النهاية، واختار صلاح الاستمرار داخل القارة الأوروبية، في خطوة يرى محللون أنها تجمع بين العائد المالي الجيد والمحافظة على حضوره في الدوريات الأوروبية، مع تجنب خوض تجربة بعيدة عن القارة في هذه المرحلة من مسيرته. ولا تبدو صفقة صلاح بالنسبة لطرابزون سبور مجرد تعاقد مع لاعب بارز لتعزيز الفريق فنيًا، إذ يمتد تأثيرها إلى الجوانب التسويقية والجماهيرية والإعلامية. فوجود نجم عالمي بحجم صلاح يمنح النادي التركي قدرة أكبر على الوصول إلى جماهير جديدة، خصوصًا في مصر والعالم العربي، حيث يمتلك اللاعب قاعدة جماهيرية ضخمة تكونت خلال سنوات تألقه مع ليفربول. ويرى أيمن عبدالعزيز، لاعب طرابزون السابق، أن التعاقد مع صلاح يمثل خطوة تسويقية بالغة الأهمية للنادي والدوري التركي، معتبرًا أن اللاعب قادر على جذب قطاع واسع من الجماهير المصرية والعربية لمتابعة طرابزون سبور ومنافسات الدوري التركي. كما يرى الجورجي شوتا أرفيلادزه، أحد أبرز لاعبي طرابزون السابقين، أن وصول صلاح يعكس المكانة التي باتت تتمتع بها الكرة التركية، متوقعًا أن تترك الصفقة تأثيرًا واضحًا على النادي والبطولة خلال الفترة المقبلة. ولم يتوقف تأثير الصفقة عند حدود الرياضة والتسويق، إذ بدأت تظهر مؤشرات على إمكانية استفادة مدينة طرابزون نفسها من الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها صلاح في مصر والعالم العربي. وتزامن انتقال اللاعب مع بدء رحلات جوية مباشرة بين القاهرة وطرابزون، في خطوة من شأنها تسهيل وصول السياح المصريين إلى المدينة التركية. وتشير تصريحات لمسؤولين محليين إلى ارتفاع أعداد الزوار المصريين إلى طرابزون، مع توقعات بأن يسهم وجود صلاح ضمن صفوف الفريق في زيادة اهتمام المصريين بالمدينة، خاصة من جانب مشجعي كرة القدم الذين يرتبطون بالنجم المصري منذ سنوات تألقه في الملاعب الأوروبية. ويمتد تأثير صلاح المحتمل إلى الجانب الثقافي، في ظل العلاقات التاريخية التي تجمع مصر وتركيا، وهو ما يرى الباحث والروائي عمار علي حسن أنه قد يمنح الصفقة بعدًا يتجاوز كرة القدم. ويرى حسن أن شعبية صلاح الكبيرة يمكن أن تفتح مساحة أوسع للتواصل الشعبي بين المصريين والأتراك، بعدما كان التفاعل بين الثقافتين لفترات طويلة أكثر حضورًا على مستوى النخب والمجالات الثقافية. ويعتقد أن انتقال صلاح إلى طرابزون قد يدفع أعدادًا أكبر من المصريين إلى متابعة الدوري التركي، بعدما اعتاد مشجعو اللاعب الانتقال بتشجيعهم من فريق إلى آخر خلال محطاته الأوروبية، بداية من فيورنتينا ثم ليفربول وصولًا إلى طرابزون. كما يرى أن الصورة التي كونها صلاح خلال سنواته في إنجلترا، باعتباره لاعبًا عربيًا ومسلمًا يتمتع بشعبية واسعة، يمكن أن تنتقل إلى جماهير الكرة التركية، بما يخلق مساحة جديدة للتقارب الثقافي بين الطرفين. ويعتمد طرابزون سبور في استراتيجيته خلال السنوات الأخيرة على اكتشاف المواهب الشابة وتطويرها قبل الاستفادة من عائدات بيعها، وهو مشروع يرى رئيس النادي أرطغرل دوجان أن وجود صلاح يمكن أن يدعمه. ويعتقد دوجان أن خبرة صلاح وشخصيته القيادية ستمنح اللاعبين الشباب داخل الفريق نموذجًا مهمًا يمكن الاستفادة منه، خاصة أن اللاعب خاض سنوات طويلة على أعلى مستوى في كرة القدم الأوروبية وحقق خلالها العديد من الإنجازات. ولا تقتصر قيمة صلاح بالنسبة للنادي على ما يقدمه داخل الملعب، بل تمتد إلى قدرته على التأثير في اللاعبين الأصغر سنًا ونقل خبراته إليهم، وهو ما يتوافق مع مشروع النادي لتطوير عناصره الشابة. ومن المنتظر أن ينعكس انتقال صلاح إلى الدوري التركي أيضًا على مسيرته مع منتخب مصر، في ظل اعتقاد بعض المحللين بأن طبيعة المنافسة هناك قد تمنحه فرصة أكبر للحفاظ على طاقته مقارنة بما كان عليه الحال في الدوري الإنجليزي. ويرى المحلل الرياضي أحمد عز الدين أن تجربة صلاح في تركيا قد تساعده على إطالة فترة عطائه الدولي، خاصة مع استمرار طموحه في قيادة منتخب مصر وتحقيق أهداف لم تكتمل بعد، وفي مقدمتها المنافسة على لقب كأس الأمم الأفريقية. ويقارن عز الدين المرحلة المقبلة في مسيرة صلاح بما حدث مع نجوم كبار انتقلوا من الدوريات الأقوى إلى مسابقات أقل من حيث المتطلبات البدنية، ما يمنح اللاعب فرصة لإدارة مجهوده بصورة أفضل خلال السنوات الأخيرة من مسيرته. وتحول وصول صلاح إلى طرابزون إلى مناسبة جماهيرية كبيرة، في ظل شغف المدينة بكرة القدم وارتباطها القوي بالنادي المحلي، بينما اعتبر أرفيلادزه أن انضمام لاعب بهذا الحجم يمثل حدثًا غير معتاد في تاريخ طرابزون سبور. وتجاوز الاهتمام بالصفقة حدود الجماهير، بعدما شارك مسؤولون محليون في الترحيب بالنجم المصري، حيث قدم رئيس بلدية طرابزون عرضًا رمزيًا لصلاح بالحصول على قطعة أرض في المدينة، في لفتة حملت طابعًا فكاهيًا، وربطها بمستقبل المدينة ومقاومة آثار الاحتباس الحراري. وبذلك، تبدو صفقة محمد صلاح وطرابزون سبور أكبر من مجرد انتقال لاعب إلى نادٍ جديد؛ فهي تحمل أبعادًا رياضية وتسويقية وجماهيرية وسياحية وثقافية، بينما ينتظر النادي أن يترجم هذا الزخم خارج الملعب إلى نتائج داخل المستطيل الأخضر، مع بداية تجربة جديدة للنجم المصري في الدوري التركي.


  أخبار ذات صلة