من نجريج إلى طرابزون.. صلاح يكتب فصلًا جديدًا
لم يكن تعاقد طرابزون سبور التركي مع النجم المصري محمد صلاح مجرد صفقة انتقال جديدة في سوق اللاعبين، بل يمثل وصول أحد أبرز نجوم كرة القدم في العصر الحديث إلى محطة جديدة من مسيرته الحافلة بالإنجازات والأرقام القياسية. فبعد سنوات استثنائية قضاها بقميص ليفربول الإنجليزي، كتب خلالها اسمه ضمن أساطير النادي والكرة العالمية، يبدأ قائد المنتخب المصري فصلًا جديدًا في الدوري التركي، حاملًا معه إرثًا كبيرًا من النجاحات والطموحات، ورغبة في مواصلة كتابة التاريخ في تجربة مختلفة. وأصبح صلاح الصفقة الأبرز في تاريخ طرابزون سبور، في خطوة تعكس طموح النادي التركي لاستعادة مكانته بين كبار الكرة التركية، مستفيدًا من خبرة لاعب خاض أعلى مستويات المنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، وواجه كبار أندية القارة على مدار سنوات طويلة. لم تكن رحلة محمد صلاح نحو النجومية سهلة، إذ بدأت الحكاية من قرية نجريج بمحافظة الغربية المصرية، حيث تعلق الطفل الصغير بكرة القدم، قبل أن يلتحق بقطاع الناشئين في نادي المقاولون العرب. وخاض صلاح في بداياته رحلة شاقة للوصول إلى التدريبات، حيث كان يقطع مسافات طويلة يوميًا بين الدراسة وملعب التدريب، في ظروف صقلت شخصيته ومنحته الإصرار على تحقيق حلم الاحتراف الأوروبي. وفي عام 2012، جاءت الخطوة الأولى خارج مصر بالانتقال إلى بازل السويسري، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته. وسرعان ما أثبت اللاعب المصري قدراته، بعدما ساهم في تتويج الفريق بلقب الدوري السويسري، ولفت الأنظار بعروضه القوية في البطولات الأوروبية، خصوصًا أمام الأندية الإنجليزية. انتقل صلاح بعدها إلى تشيلسي الإنجليزي، لكن تجربته في الدوري الإنجليزي لم تكن بالشكل المتوقع، في ظل قلة المشاركة، ليبحث عن فرصة جديدة لاستعادة مستواه. وكان الدوري الإيطالي المحطة التي أعادت اكتشاف موهبته، حيث تألق مع فيورنتينا ثم روما، وقدم مستويات مميزة جعلته أحد أخطر اللاعبين في الكالتشيو، بعدما ساهم مع روما في تسجيل وصناعة العديد من الأهداف، ليصبح هدفًا لكبار أندية أوروبا. وفي صيف 2017، حسم ليفربول التعاقد معه بطلب من المدرب الألماني يورجن كلوب، لتبدأ واحدة من أنجح الشراكات في تاريخ النادي الإنجليزي. منذ موسمه الأول مع ليفربول، أثبت صلاح أنه صفقة تاريخية، بعدما سجل 44 هدفًا في مختلف المسابقات، وحقق رقمًا قياسيًا بتسجيله 32 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز موسم 2017-2018، كأكثر لاعب تسجيلًا في موسم مكون من 38 مباراة. ولم يتوقف تألقه عند الأرقام الفردية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في عودة ليفربول إلى منصات التتويج، حيث قاد الفريق للفوز بدوري أبطال أوروبا عام 2019، ثم ساهم في تحقيق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز موسم 2019-2020، بعد غياب دام 30 عامًا عن خزائن النادي. وخلال سنواته مع الفريق، توج صلاح بعدة ألقاب، من بينها دوري أبطال أوروبا، الدوري الإنجليزي، كأس العالم للأندية، كأس السوبر الأوروبي، كأس الاتحاد الإنجليزي، كأس الرابطة الإنجليزية، والدرع الخيرية. لم يكن صلاح مجرد هداف، بل أصبح رمزًا لعصر ذهبي عاشه ليفربول، بعدما تحول إلى أحد أفضل اللاعبين في تاريخ النادي. وسجل النجم المصري أرقامًا استثنائية، حيث أصبح من أبرز هدافي ليفربول عبر التاريخ، والهداف الأفريقي التاريخي في الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، كما حقق جائزة الحذاء الذهبي في البريميرليج عدة مرات. كما جمع صلاح بين التسجيل وصناعة الأهداف، وأثبت قدرته على التأثير في مختلف الجوانب الهجومية، ليصبح أحد أكثر اللاعبين تكاملًا في الكرة الإنجليزية خلال العقد الأخير. امتدت بصمة صلاح إلى المنتخب المصري، حيث لعب دورًا محوريًا في عودة الفراعنة إلى كأس العالم 2018 بعد غياب طويل، وأصبح أحد أبرز الهدافين في تاريخ المنتخب الوطني. كما تحول إلى رمز رياضي عربي وعالمي، بعدما أصبح نموذجًا للاعب الذي نجح في الوصول إلى القمة من خلال العمل المستمر والانضباط والطموح. ويمثل انتقال صلاح إلى طرابزون سبور تحديًا جديدًا في مسيرته، حيث يبحث اللاعب عن تجربة مختلفة بعد سنوات طويلة في قمة الكرة الإنجليزية. وفي المقابل، يحصل النادي التركي على لاعب يمتلك خبرة هائلة وشخصية قيادية قادرة على صناعة الفارق داخل الملعب وخارجه، سواء من خلال أهدافه أو تأثيره الفني والجماهيري. ويأمل طرابزون سبور أن يمنح وجود صلاح دفعة قوية لمشروعه الرياضي، سواء في المنافسات المحلية أو على المستوى الأوروبي، بينما يتطلع النجم المصري إلى مواصلة كتابة التاريخ وإضافة نجاحات جديدة إلى مسيرة أصبحت بالفعل واحدة من أعظم قصص النجاح في كرة القدم العربية والأفريقية. فمن ملاعب نجريج إلى أنفيلد، والآن إلى طرابزون، يواصل محمد صلاح رحلته التي لم تُكتب نهايتها بعد، بحثًا عن إنجاز جديد يضاف إلى سجل "الملك المصري".