بيدرو بورو.. رحلة التألق نحو المونديال
يواصل بيدرو بورو كتابة واحدة من أبرز قصص النجاح في صفوف المنتخب الإسباني، بعدما فرض نفسه عنصرا أساسيا في تشكيلة المدرب لويس دي لا فوينتي خلال كأس العالم 2026، ليصبح أحد أبرز الأسلحة التي يعول عليها "لا روخا" قبل مواجهة بلجيكا في الدور ربع النهائي. ويأمل منتخب إسبانيا في مواصلة مشواره نحو اللقب العالمي، إذ سيضمن الفائز من مواجهة بلجيكا مقعدا في نصف النهائي، حيث ينتظر المنتخب الفرنسي، فيما يواصل بورو تقديم مستويات مميزة جعلته محط أنظار المتابعين، بعدما جمع بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية. وسلط الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) الضوء على الرحلة التي خاضها لاعب توتنهام الإنجليزي، بداية من بلدته الصغيرة دون بينيتو في إقليم إكستريمادورا، وصولا إلى التألق في أكبر محفل كروي على مستوى المنتخبات. ولعب بورو دورا بارزا في حفاظ المنتخب الإسباني على نظافة شباكه خلال مبارياته الخمس الأولى في البطولة، وهي سلسلة دفاعية استثنائية لم يحققها أي منتخب في كأس العالم منذ المنتخب الإيطالي في نسخة 1990. ولم يكتف الظهير الأيمن بأداء واجباته الدفاعية، بل سجل أيضا أول أهدافه الدولية، بعدما هز شباك النمسا بضربة رأس في دور الـ32. وجاء تألق بورو ليؤكد صحة قرار لويس دي لا فوينتي بالاعتماد عليه في مركز الظهير الأيمن، رغم غياب المخضرم داني كارفاخال عن قائمة المنتخب، إذ نجح لاعب توتنهام في استغلال الفرصة وأثبت أنه قادر على تحمل المسؤولية في المباريات الكبرى. وتعود بداية رحلة بورو إلى ملاعب مدينة دون بينيتو، حيث كان يقضي معظم أوقاته في اللعب والتدريب. ويستذكر كارلوس مورينو، أحد مدربيه في الفئات السنية، شغف اللاعب بكرة القدم، مؤكدا أنه كان يتواجد في الملعب حتى خارج أوقات التدريبات، ويطلب المشاركة مع أي فريق يخوض مباراة، في دليل واضح على حبه الكبير للعبة. وخلال طفولته، لعب جده أنطونيو دورا محوريا في دعمه، إذ كان يرافقه إلى التدريبات والمباريات في مختلف الظروف، بينما كانت والدته تعمل في أحد المتاجر، ووالده يتنقل بين عدة وظائف. ويؤكد مورينو أن جده كان يكافئه بالحلوى كلما سجل هدفا، في مشهد يعكس حجم الدعم العائلي الذي رافق خطواته الأولى. ويصف مدربه السابق بورو بأنه كان لاعبا يملك روحا تنافسية استثنائية، ولم يكن يرضى بالخسارة مهما كانت حصيلته التهديفية. ويستشهد بمباراة سجل خلالها ستة أهداف، لكنه غادر غاضبا لأن فريقه خسر بنتيجة 7-6، وهو ما يعكس شخصيته الساعية دائما إلى الفوز. وخارج الملعب، عرف بورو بروحه المرحة وعلاقاته القوية مع زملائه، إذ كان دائم نشر الأجواء الإيجابية داخل الفريق، وما زال يحتفظ بعلاقات وثيقة مع أصدقاء الطفولة الذين يحرص على لقائهم كلما عاد إلى بلدته. ولم تكن الطريق نحو الاحتراف سهلة، فإقليم إكستريمادورا لا يحظى باهتمام كبير من كشافي المواهب مقارنة بالمناطق الأخرى في إسبانيا. لكن فرصة المشاركة مع فريق يمثل الإقليم في إحدى البطولات بالعاصمة مدريد فتحت أمامه الأبواب، بعدما لفت أنظار الكشافين لينتقل عام 2015 إلى أكاديمية رايو فاييكانو، قبل أن ينضم بعدها بعامين إلى جيرونا. وفي جيرونا، ترك بورو انطباعا قويا منذ أيامه الأولى، بحسب القائد السابق للفريق أليكس جرانيل، الذي أكد أن اللاعب امتلك شخصية قيادية رغم صغر سنه، وكان جريئا داخل الملعب ولا يخشى مواجهة أي منافس، وهو ما جعله يفرض حضوره بسرعة داخل غرفة الملابس. وشهد موسم 2018-2019 الانطلاقة الحقيقية لمسيرته، بعدما شارك بانتظام مع الفريق الأول في الدوري الإسباني، وسجل أول أهدافه أمام ريال مدريد في كأس ملك إسبانيا، قبل أن ينضم بعد أشهر قليلة إلى منتخب إسبانيا تحت 21 عاما. ورغم هبوط جيرونا، انتقل بورو إلى مانشستر سيتي، ثم خرج معارا إلى ريال بلد الوليد، قبل أن يجد البيئة المثالية لتطوير مستواه في سبورتنج لشبونة تحت قيادة روبن أموريم. ويؤكد الحارس الإسباني أنطونيو أدان، زميله السابق في سبورتنج، أن اللاعب كان يمتلك جميع المقومات، لكنه احتاج فقط إلى الثقة والاستمرارية، وهو ما وجده في الدوري البرتغالي، حيث تطور بشكل كبير وساهم في تتويج الفريق بلقب الدوري لأول مرة منذ 19 عاما، كما خاض خلال تلك الفترة مباراته الأولى مع المنتخب الإسباني الأول. وبعد تألقه في البرتغال، انتقل بورو إلى توتنهام في يناير 2023، ليواصل تطوره في الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث عزز قدراته الدفاعية إلى جانب مساهماته الهجومية، وساعد النادي اللندني على التتويج بلقب الدوري الأوروبي عام 2025. ورغم النجاحات التي حققها، لم ينس بورو المدينة التي شهدت بداياته، إذ عاد إليها قبل السفر للمشاركة في كأس العالم لحضور مراسم إطلاق اسمه على الملعب الذي تعلم فيه أساسيات كرة القدم، في تكريم يجسد الرحلة الطويلة التي قطعها من ملاعب الأحياء الصغيرة إلى أكبر مسرح كروي في العالم.