الرأس الأخضر تكتب قصة استثنائية في كأس العالم

في واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم، نجح منتخب الرأس الأخضر في صناعة إنجاز تاريخي خلال مشاركته الأولى في البطولة، بعدما حجز مكانه في دور الـ32 بالنسخة الحالية المقامة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، عقب تعادله في مبارياته الثلاث بدور المجموعات، متفوقًا على كل التوقعات التي وضعته ضمن المنتخبات الأقل حظًا في المنافسة. قبل انطلاق البطولة، لم يكن كثيرون يتوقعون أن يكون لمنتخب الرأس الأخضر حضور مؤثر في كأس العالم، إذ كان يُنظر إليه باعتباره أحد المنتخبات التي ستشارك من أجل استكمال العدد فقط، خاصة أنه يمثل دولة صغيرة للغاية من حيث المساحة وعدد السكان مقارنة بباقي المشاركين. وعندما تأهل المنتخب للمرة الأولى إلى المونديال، أصبح أصغر دولة من حيث المساحة الجغرافية وثاني أصغر دولة من حيث عدد السكان تصل إلى النهائيات في تاريخ البطولة، قبل أن تتفوق عليه لاحقًا جزر كوراساو في كلا المعيارين. ورغم ذلك، ظل وصول الرأس الأخضر إلى هذا المحفل العالمي إنجازًا استثنائيًا يعكس التطور الكبير الذي شهده المنتخب خلال السنوات الأخيرة. ولم تكن التوقعات تصب في مصلحته قبل بداية المنافسات، حيث منح حاسوب شبكة "أوبتا" العملاق المنتخب فرصة محدودة للغاية لعبور دور المجموعات. وبعد إجراء 25 ألف محاكاة للبطولة، أظهر الحاسوب أن الرأس الأخضر ستتأهل إلى الأدوار الإقصائية في 32.9% فقط من السيناريوهات، لتصبح من بين أقل المنتخبات حظًا في بلوغ المرحلة التالية. ورغم أن زيادة عدد المنتخبات المشاركة في النسخة الحالية إلى 48 منتخبًا منحت فرصة أكبر للتأهل عبر احتلال أحد أفضل أصحاب المركز الثالث، فإن المهمة بقيت صعبة، خاصة أن أي منتخب يشارك للمرة الأولى لم ينجح في الوصول إلى الأدوار الإقصائية منذ منتخب سلوفاكيا في نسخة 2010. وجاءت الرأس الأخضر في مجموعة قوية ضمت إسبانيا وأوروجواي والسعودية، وهي منتخبات كانت تملك خبرات أكبر بكثير على المستوى العالمي. وكان من المتوقع أن يعاني المنتخب أمام إسبانيا وأوروجواي، بينما لم تكن مواجهة السعودية سهلة، خصوصًا بعد أن حقق المنتخب السعودي فوزًا تاريخيًا على الأرجنتين في كأس العالم الماضية. لكن المنتخب القادم من جزر المحيط الأطلسي نجح في قلب كل الحسابات، بعدما تعادل في مبارياته الثلاث، ليضمن التأهل إلى دور الـ32 من المركز الثاني خلف إسبانيا، دون الحاجة إلى الاعتماد على نظام أفضل أصحاب المركز الثالث. وبدأت رحلة الرأس الأخضر في البطولة بتعادل تاريخي أمام إسبانيا في أول مباراة لها على الإطلاق في كأس العالم، قبل أن تحقق تعادلًا مثيرًا بنتيجة 2-2 أمام أوروجواي، ثم تختتم مشوارها في المجموعة بتعادل سلبي أمام السعودية. وبذلك أصبحت أول منتخب يخوض مشاركته الأولى في كأس العالم وينهي دور المجموعات دون خسارة منذ منتخب السنغال في مونديال 2002. وخلال أول مباراتين، اعتمد المنتخب على التنظيم الدفاعي واللعب بحذر أمام منافسين أقوى، حيث استحوذ على 25.7% فقط من الكرة أمام إسبانيا، التي تفوقت عليه في التسديدات بنتيجة 27 مقابل 6، بينما بلغت نسبة استحواذه أمام أوروجواي 34.8%، وواجه 17 تسديدة مقابل 12 محاولة له. لكن أمام السعودية ظهر وجه مختلف للرأس الأخضر، بعدما أصبح أكثر جرأة وثقة، حيث استحوذ على الكرة بنسبة 51%، وسدد 15 كرة على المرمى مقابل 7 للمنتخب السعودي. وكان بإمكان الرأس الأخضر تحقيق الفوز في المباراة الأخيرة، بعدما أهدر لاعبوه عدة فرص محققة، أبرزها فرصة لاروس دوارتي الذي تصدى لها الحارس السعودي محمد العويس من مسافة قريبة في الدقيقة 74، إضافة إلى فرصة نونو دا كوستا الذي سدد بجوار المرمى في الدقائق الأخيرة. ورغم التحسن الهجومي الواضح في المباراة الأخيرة، فإن السر الحقيقي وراء تأهل الرأس الأخضر كان صلابته الدفاعية وتألق حارس مرماه المخضرم فوزينها، الذي لعب دورًا حاسمًا في حماية شباك فريقه خلال البطولة. واستقبل المنتخب هدفين فقط في مبارياته الثلاث بدور المجموعات، ولم تستقبل أهدافًا أقل منه سوى منتخبات إسبانيا والمكسيك والبرازيل. كما حافظ على نظافة شباكه في مباراتين، وهو رقم لم يحققه سوى عدد قليل من المنتخبات المشاركة في البطولة. ودخل فوزينها التاريخ بعدما أصبح ثالث حارس مرمى في تاريخ كأس العالم يحافظ على نظافة شباكه في أكثر من مباراة بعد بلوغه سن الأربعين، لينضم إلى الإنجليزي بيتر شيلتون، الذي حقق ذلك في ثلاث مباريات، والإيطالي دينو زوف، الذي حققه في مباراتين. وبعد ضمان التأهل، تنتظر الرأس الأخضر مواجهة من العيار الثقيل أمام منتخب الأرجنتين، حامل اللقب، بقيادة النجم ليونيل ميسي الذي يقدم مستويات استثنائية ويتصدر قائمة هدافي البطولة. ورغم صعوبة المهمة أمام أحد أقوى منتخبات العالم، فإن الرأس الأخضر تدخل المباراة المقبلة بثقة كبيرة بعدما أثبتت قدرتها على مجاراة الكبار. فقد كان تعادلها السلبي أمام بطلة أوروبا إسبانيا واحدًا من أكبر مفاجآت كأس العالم، وهو ما يمنح لاعبيها إيمانًا بإمكانية تحقيق مفاجأة جديدة.


  أخبار ذات صلة