الحلم العربي في مونديال 2026
الحلم العربي في كأس العالم 2026 لم يعد مجرد شعار عاطفي تردده الجماهير قبل كل نسخة، بل أصبح فكرة أقرب إلى النقاش الواقعي، بعد التحولات الكبيرة التي شهدتها كرة القدم العربية خلال العقود الأخيرة، والتي جعلت من المشاركة في المونديال بداية لطموح أكبر، لا مجرد نهاية عند حدود الظهور المشرف.
على امتداد أكثر من تسعين عامًا من المشاركة العربية في كأس العالم، لم يكن الحضور العربي مجرد مشاركة رمزية، بل رحلة طويلة من التطور التدريجي بدأت من أول ظهور لمنتخب مصر عام 1934، مرورًا بمحطات تاريخية صنعت ملامح الهوية الكروية العربية، وصولًا إلى مونديال قطر 2022 الذي أعاد رسم سقف الطموحات بالكامل، وفتح الباب أمام سؤال أكبر: إلى أي مدى يمكن أن يصل الحلم العربي في المونديال؟.
ورغم أن التتويج بلقب كأس العالم ظل تاريخيًا حكرًا على القوى الكروية الكبرى، فإن ما قدمه المنتخب المغربي في نسخة 2022 غيّر الكثير من قواعد التفكير، بعدما أصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ الدور نصف النهائي في تاريخ البطولة. لم يكن ذلك الإنجاز وليد لحظة، بل نتاج مسار قوي بدأ من دور المجموعات الصعب أمام كرواتيا وبلجيكا وكندا.
المغرب بدأ بتعادل أمام كرواتيا، ثم فاز على بلجيكا وكندا، وتصدر مجموعته، قبل أن يكتب واحدة من أكبر مفاجآت البطولة بإقصاء إسبانيا بركلات الترجيح، ثم واصل رحلته التاريخية بالفوز على البرتغال بهدف يوسف النصيري، ليصل إلى نصف النهائي، وينهي البطولة في المركز الرابع كأفضل إنجاز عربي وأفريقي على الإطلاق.
لكن هذا الإنجاز لم يأتي من فراغ، بل جاء امتدادًا لتاريخ طويل من المحاولات العربية التي صنعت ملامح الحلم. ففي مونديال 1986، أصبح المنتخب المغربي أول منتخب عربي وأفريقي يتجاوز دور المجموعات، متصدرًا مجموعة قوية ضمت إنجلترا وبولندا والبرتغال، في إنجاز ظل لعقود علامة فارقة في تاريخ الكرة العربية.
وفي 1994، دخلت السعودية التاريخ من بوابة مختلفة، حين وصلت إلى دور الـ16 في أول مشاركة لها، وحققت انتصارات لافتة أبرزها الفوز على بلجيكا بهدف سعيد العويران الذي ما زال يُصنف ضمن أجمل أهداف كأس العالم، قبل أن تودع البطولة أمام السويد.
ثم جاءت الجزائر في مونديال 2014 لتعيد التأكيد على الحضور العربي في الأدوار الإقصائية، بعدما تجاوزت دور المجموعات للمرة الأولى، وقدمت مباراة تاريخية أمام ألمانيا في دور الـ16 انتهت بخسارة صعبة بعد التمديد 2-1، في مواجهة وُصفت بأنها من أصعب اختبارات البطل المتوج لاحقًا.
حتى اللحظات التاريخية المبكرة لم تغب، حيث حققت تونس أول فوز عربي وأفريقي في المونديال عام 1978 على حساب المكسيك، فيما فاجأت الجزائر العالم بفوزها على ألمانيا الغربية عام 1982 في واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ البطولة. كما عاد المنتخب السعودي في نسخة 2022 ليصنع واحدة من أكبر المفاجآت بالفوز على الأرجنتين، بطلة العالم لاحقًا.
ومع اقتراب كأس العالم 2026، يبدو الحلم العربي أكثر حضورًا واتساعًا من أي وقت مضى، خاصة مع زيادة عدد المنتخبات المشاركة، وتنوع الخبرات العربية بين إفريقيا وآسيا. ويمثل العرب في النسخة المقبلة كل من مصر وتونس والمغرب والجزائر من القارة السمراء، إضافة إلى السعودية وقطر والأردن والعراق من آسيا، في مشاركة تعكس التطور المتزايد لكرة القدم العربية على المستويين القاري والدولي.
هذا الحضور الواسع لا يعكس فقط زيادة عدد المنتخبات، بل يشير إلى تطور نوعي في مستوى اللاعبين العرب، الذين بات عدد كبير منهم ينشط في أقوى الدوريات الأوروبية، إلى جانب تطور البنية الفنية والإدارية في عدة اتحادات كروية عربية.
ورغم أن الطريق إلى منصة التتويج لا يزال شديد الصعوبة في ظل الهيمنة التاريخية للمدارس الكروية الكبرى، فإن التجارب السابقة أثبتت أن الكرة العربية قادرة على كسر التوقعات وصناعة المفاجآت، بل وبلوغ مراحل متقدمة لم تكن مطروحة في الماضي.
وبين تاريخ من الإنجازات المتفرقة وحاضر أكثر نضجًا، يدخل العرب مونديال 2026 بحلم واضح المعالم: ليس فقط المشاركة أو تحقيق إنجاز جديد، بل محاولة الاقتراب من الحلم الأكبر، الذي كان يومًا بعيدًا، وأصبح اليوم قابلًا للنقاش… وربما للتحقق.