ثغرات الرقابة المالية تلاحق تمويلات FIFA

تواجه منظومة الرقابة المالية في الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) تساؤلات متزايدة بشأن مستوى الشفافية في إدارة أموال برامج التطوير، بعدما كشفت مراجعة موسعة عن عدم إتاحة بيانات مالية حديثة ومدققة لدى 128 اتحادًا وطنيًا من أصل 211 اتحادًا عضوًا، رغم استفادتها من مخصصات مالية كبيرة يقدمها الاتحاد الدولي لدعم كرة القدم وتطويرها في مختلف أنحاء العالم. وتسلط هذه النتائج الضوء على التحديات المرتبطة بمراقبة المساعدات المالية التي يقدمها FIFA عبر برنامج «فيفا فوروارد»، الذي أُطلق عام 2016 بعد تولي جياني إنفانتينو رئاسة الاتحاد الدولي، بهدف زيادة الاستثمارات في تطوير كرة القدم وتعزيز الحوكمة والشفافية في توزيع الأموال على الاتحادات الوطنية والقارية والإقليمية. وبلغ إجمالي التمويل الذي التزم البرنامج بتقديمه خلال العقد الماضي نحو 4.6 مليار دولار، مع ارتفاع المخصصات المالية في كل دورة، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات بشأن مدى قدرة آليات التدقيق الحالية على مواكبة الزيادة الكبيرة في حجم الأموال الموزعة، وضمان التزام الجهات المستفيدة بمتطلبات الإفصاح المالي. وأظهرت نتائج المراجعة أن 27 اتحادًا وطنيًا لا تمتلك مواقع إلكترونية تعمل بصورة طبيعية، رغم استمرار أهليتها للحصول على تمويل يتجاوز إجماليه 450 مليون دولار. ويثير ذلك مخاوف بشأن إمكانية وصول الجمهور إلى المعلومات المالية، خصوصًا أن لوائح البرنامج تشترط نشر القوائم المالية المدققة وإتاحتها بصورة علنية عبر المواقع الرسمية للاتحادات المستفيدة. وامتدت الملاحظات إلى عدد من الاتحادات المرتبطة بالمنتخبات المشاركة في كأس العالم 2026، إذ لم تنشر 20 اتحادًا وطنيًا بيانات مالية حديثة وكاملة، رغم حصولها مجتمعة على 332 مليون دولار من الجوائز المالية المرتبطة بالبطولة، وهو ما يعزز أهمية وجود معايير واضحة للإفصاح والرقابة على الأموال في مختلف مستويات اللعبة. كما أظهرت المقارنة بين نفقات التدقيق المالي والراتب السنوي لرئيس FIFA أن الإنفاق السنوي على مراجعة حسابات الاتحادات الأعضاء ظل منذ عام 2019 أقل من راتب إنفانتينو السنوي، وهي مقارنة تفتح باب النقاش حول حجم الموارد المخصصة لمراقبة التمويلات، ومدى تناسبها مع اتساع نطاق البرنامج وزيادة ميزانياته. وتلزم قواعد «فيفا فوروارد» الاتحادات المستفيدة بالوفاء بمتطلبات مالية وإدارية، من بينها نشر أحدث القوائم المالية المدققة على مواقعها الرسمية. وكان من المفترض أن تخضع الحسابات المتعلقة بتمويلات عام 2025 للمراجعة بين أبريل وأغسطس 2026، فيما استند تقييم مدى الالتزام بمتطلبات الإفصاح إلى مدى توافر القوائم المدققة لعام 2024 وما بعدها. ويضم FIFA نحو 211 اتحادًا وطنيًا، إلى جانب ستة اتحادات قارية و13 اتحادًا إقليميًا أو مناطقيًا، وتحصل هذه الجهات على مخصصات مالية ضمن برامج التطوير المختلفة. وقد شهدت قيمة التمويل الموجه إلى الاتحادات ارتفاعًا ملحوظًا منذ إطلاق برامج المساعدات، في إطار توجه يستهدف توسيع قاعدة المشاركة وتحسين البنية التحتية وتطوير المسابقات والمنتخبات. وتعود جذور هذه البرامج إلى عام 1998، عندما أطلق الرئيس السابق جوزيف بلاتر برنامج «غول» لتقديم المساعدات المالية للاتحادات الأعضاء. غير أن البرنامج تأثر لاحقًا بأزمة الفساد التي هزت FIFA وأدت إلى رحيل بلاتر عن رئاسة الاتحاد، قبل أن يعيد إنفانتينو تنظيم منظومة الدعم المالي تحت اسم «فيفا فوروارد» عقب انتخابه عام 2016. وخلال تلك المرحلة، أعلن الاتحاد الدولي أن البرنامج الجديد سيعتمد معايير أكثر صرامة في الإدارة المالية والشفافية، مع زيادة الأموال المخصصة لتطوير اللعبة. كما شدد إنفانتينو خلال حملته الانتخابية على أن موارد FIFA تعود إلى الاتحادات الأعضاء، في إشارة إلى أهمية توجيه التمويلات إلى تطوير كرة القدم في الدول المستفيدة. وتكشف الأرقام عن التوسع المتدرج في حجم المساعدات؛ إذ بلغ إجمالي التمويل الموزع عبر برنامج «غول» وبرامج المساعدات المالية بين عامي 2011 و2014 نحو 721.5 مليون دولار. وفي الدورة الأولى من «فيفا فوروارد»، ارتفع التمويل إلى 1.079 مليار دولار، مع تخصيص 3.75 مليون دولار لكل اتحاد وطني و30 مليون دولار لكل اتحاد قاري. وفي الدورة الثانية، الممتدة بين عامي 2019 و2022، زادت المخصصات إلى 1.746 مليار دولار، بواقع ستة ملايين دولار على الأقل لكل اتحاد وطني و48 مليون دولار لكل اتحاد قاري. أما الدورة الثالثة، التي تغطي الفترة من 2023 إلى 2026، فقد بلغت ميزانيتها 2.25 مليار دولار، مع تخصيص ما لا يقل عن ثمانية ملايين دولار لكل اتحاد وطني على مدار أربع سنوات. ويخطط FIFA لمواصلة زيادة التمويل خلال الدورة الرابعة من البرنامج، الممتدة بين عامي 2027 و2030، إذ تبلغ الميزانية المرصودة حاليًا 2.7 مليار دولار، مع توقع اقتراب مخصصات كل اتحاد وطني من عشرة ملايين دولار خلال الدورة. ورغم حجم الملاحظات المتعلقة بنشر البيانات المالية، فإن النتائج لا تتضمن اتهامات مباشرة للاتحادات الأعضاء بإساءة استخدام الأموال أو توجيهها إلى أغراض غير مخصصة لها، بل تركز على أوجه القصور في الإفصاح والرقابة، وما قد ينتج عنها من صعوبة اكتشاف المخالفات المحتملة في الوقت المناسب. وتعيد هذه المعطيات ملف الحوكمة المالية داخل FIFA إلى الواجهة، خصوصًا مع استمرار ارتفاع قيمة المساعدات واتساع نطاق الجهات المستفيدة. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز آليات التدقيق، وضمان نشر الحسابات المالية بصورة منتظمة، وربط استمرار الاستفادة من التمويل بالالتزام الفعلي بمتطلبات الشفافية والمساءلة.


  أخبار ذات صلة