سر نجاح إسبانيا في صناعة وتطوير المواهب
تواصل إسبانيا حصد ثمار مشروع طويل لتطوير المواهب وصناعة اللاعبين، بعدما أصبحت أكاديميات الأندية بوابة رئيسية أمام الشباب للوصول إلى فرق الكبار والمنتخبات الوطنية، في نموذج يلفت أنظار العديد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إنجلترا. ورغم أن لاروخا لم تبدأ هذا المشروع بسبب أزمة في نتائج المنتخبات، فإن المسؤولين عن كرة القدم هناك أدركوا مبكرًا أن النجاح لا يضمن الاستمرار، وأن الحفاظ على القمة يحتاج إلى تطوير مستمر لمنظومة الناشئين. ولهذا السبب، دخلت إسبانيا في المرحلة الثانية من خطة وطنية تمتد بين 10 و12 عامًا، تقودها رابطة الدوري الإسباني، وتهدف إلى تطوير أكاديميات الأندية وتحويل العمل داخلها إلى منظومة أكثر احترافية. ويكشف خوان فلوريت، مدير المشاريع الرياضية في رابطة الدوري الإسباني، أن الهدف لم يكن انتظار أزمة ثم التحرك، وإنما الاستفادة من قوة الكرة الإسبانية والعمل على تطويرها قبل أن تبدأ الدول الأخرى في تجاوزها. ويقول فلوريت إن إسبانيا كانت بحاجة إلى خطة جماعية ورؤية موحدة لتطوير المواهب، خاصة أن دولًا مثل ألمانيا والنمسا والسويد بدأت بالفعل مشروعات طويلة المدى في هذا المجال. وتأتي أهمية المشروع الإسباني من قوة القاعدة المحلية في الدوري، إذ تكشف الأرقام أن اللاعبين الإسبان يحصلون على مساحة أكبر بكثير من نظرائهم المحليين في الدوريات الأوروبية الكبرى. وخلال المواسم العشرة السابقة لموسم 2026-2027، بلغ متوسط عدد اللاعبين الإسبان الذين شاركوا لأكثر من 450 دقيقة في الموسم الواحد 236.6 لاعب، وهو رقم يتفوق بفارق كبير على باقي الدوريات الخمسة الكبرى. وجاء الدوري الإيطالي في المركز الثاني بمتوسط 152.2 لاعبًا إيطاليًا، ثم الدوري الفرنسي بـ149.9 لاعب، والدوري الألماني بـ142.6 لاعب، بينما بلغ المتوسط في الدوري الإنجليزي الممتاز 117.7 لاعبًا إنجليزيًا. ولا تتوقف الأفضلية الإسبانية عند عدد اللاعبين، حيث استحوذ اللاعبون الإسبان على 57.2% من إجمالي دقائق اللعب في الليجا خلال الفترة نفسها. في المقابل، بلغت نسبة مشاركة اللاعبين الإنجليز 30.5% من إجمالي الدقائق في الدوري الإنجليزي الممتاز، مقابل 40.7% للاعبين الألمان في الدوري الألماني، و36.8% للإيطاليين في الدوري الإيطالي، و40.1% للفرنسيين في الدوري الفرنسي. وفي الموسم الحالي، ارتفعت نسبة مشاركة اللاعبين الإسبان إلى 58.9% من إجمالي دقائق اللعب في الدوري الإسباني، بينما لم تصل أي من الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى الأخرى إلى حاجز 40%. وتؤكد هذه الأرقام أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود عدد كبير من اللاعبين المحليين في قوائم الأندية، وإنما بالحصول على دقائق لعب حقيقية وعلى مستوى مرتفع. ويشير فلوريت إلى أن المنتخبات الوطنية تستفيد عندما تقوم الأندية بتطوير اللاعبين الشباب ومنحهم الفرصة للمشاركة الفعلية في المباريات القوية. وتملك إسبانيا ميزة أخرى مهمة تتمثل في فرق الرديف، التي تمثل حلقة وصل بين كرة القدم في الفئات السنية والمنافسات الاحترافية. ووفقًا لفلوريت، فإن 41 ناديًا من أصل 42 ناديًا محترفًا في إسبانيا يمتلك فريقًا رديفًا أو تابعًا يشارك في مسابقات كرة القدم للكبار. ويمنح هذا النظام اللاعبين الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و20 عامًا فرصة خوض مباريات أمام لاعبين أكبر سنًا وأكثر خبرة، بدلًا من البقاء لسنوات طويلة في مسابقات الفئات السنية. وهنا يظهر اختلاف واضح مع إنجلترا، حيث يواصل عدد كبير من اللاعبين الشباب المشاركة في مسابقات تحت 21 عامًا حتى بداية العشرينيات، بينما يكون اللاعب الإسباني في العمر نفسه قد خاض بالفعل عدة مواسم من كرة القدم الاحترافية أو شبه الاحترافية. وتوجد أنظمة مشابهة لفرق الرديف في إيطاليا وألمانيا وفرنسا، لكنها لا تمنح الأندية المساحة نفسها الموجودة في إسبانيا. ففي إيطاليا وألمانيا لا تستطيع فرق الرديف اللعب أعلى من الدرجة الثالثة، بينما تلعب العديد من فرق الرديف في فرنسا حتى الدرجة الخامسة، ولا يمكنها الوصول إلى الدرجة الرابعة إلا الأندية التي تمتلك أكاديميات من فئة النخبة. وتساعد القواعد المالية في الدوري الإسباني أيضًا على دفع الأندية نحو استغلال المواهب الموجودة لديها بدلًا من الاعتماد الكامل على سوق الانتقالات. وتلزم القواعد الأندية بإثبات قدرتها المالية قبل تسجيل اللاعبين الجدد، وفي حال عدم الالتزام لا يمكن تسجيل اللاعب حتى يستعيد النادي وضعه المالي المسموح به. ورغم الانتقادات التي تواجهها هذه القواعد، فإنها دفعت أندية عديدة إلى الاعتماد على لاعبي الأكاديمية عندما واجهت صعوبات مالية.